أبي منصور الماتريدي
322
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدها : المودة والمحبة ، أي : لا تودوهم ولا تحبوهم . والثاني : ألا نتخذهم موضع سرنا وبطانتنا ؛ كقوله : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً . . . الآية [ آل عمران : 118 ] . والثالث : ولاية الطاعة لهم ، أي : لا تطيعوهم ؛ كقوله : إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ الآية [ آل عمران : 100 ] ، وقوله : إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ [ آل عمران : 149 ] نهانا أن نحبهم ونودهم ، ونهانا - أيضا - أن نتخذهم موضع سرنا ، ونفشي إليهم سرائرنا ، ونهانا أن نطيعهم فيما يدعوننا إليه ويسرون - والله أعلم - للخلاف الذي بيننا وبينهم في الدين . وقوله - عزّ وجل - : إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ . أي : اختاروا الكفر على الإيمان ، والمحبة - هاهنا - محبة الاختيار والإيثار . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها [ هو ] « 1 » مقابل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [ التوبة : 20 ] إلى آخره . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وما ذكر ، أي : إن كان طاعة هؤلاء ورضاهم أحبّ إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه ، وأحب من جهاد في سبيله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ : هو حرف وعيد ، أي : انتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، أي : بعذابه . [ و ] قال أهل التأويل : حتى يأتي بأمره في فتح مكة . ودل ما ذكر في قوله : إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ على أن المراد من قوله : لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ الآباء والأبناء جميعا ، وَإِخْوانُكُمْ الإخوان ، وجميع المتصلين بهم ؛ دليله ما ذكر في آخره ؛ حيث قال : إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ، ذكر الأبناء والأزواج والعشيرة ، والله أعلم . وقوله : وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها . قال بعضهم « 2 » : اكتسبتموها . وقال أبو بكر الأصم : وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ، أي : أموال جعلوها حلالا وحراما ، ويقولون : الله أذن لنا في ذلك ؛ كقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [ يونس : 59 ] .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 339 ) وكذا الرازي ( 16 / 16 ) .